الخطيب الشربيني

654

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

سورة القدر مدنية ، في قول أكثر المفسرين ، وحكى الماوردي عكسه ، وذكر الواحدي أنها أوّل سورة نزلت بالمدينة وهي خمس آيات وثلاثون كلمة ومائة واثنا عشر حرفا . بسم اللّه الرّحمن الرّحيم بِسْمِ اللَّهِ الملك الأعظم الذي لا يعبد إلا إياه الرَّحْمنِ الذي عمّ بجوده جميع خلقه أقصاه وأدناه الرَّحِيمِ الذي قرّب أهل طاعته وأبعد من عداهم وأشقاه . [ سورة القدر ( 97 ) : الآيات 1 إلى 5 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( 2 ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( 3 ) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ( 4 ) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ( 5 ) وقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ أي : بما لنا من العظمة ، أي : القرآن فيه تعظيم له من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه أسند إنزاله إليه وجعله مختصا به دون غيره . والثاني : أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه . والثالث : الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه ، وهو قوله تعالى : فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَما أَدْراكَ أي : أعلمك يا أشرف الخلق ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ فإن في ذلك تعظيما لشأنها . روي أنه أنزله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، وأملاه جبريل عليه السلام على السفرة ، ثم كان ينزله على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحاجة إليه . وحكى الماوردي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه نزل في شهر رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل عليه السلام عشرين سنة ، ونجمه جبريل على النبي صلى اللّه عليه وسلم عشرين سنة . قال ابن العربي : وهذا باطل ليس بين جبريل وبين الله تعالى واسطة ، ولا بين جبريل وبين محمد صلى اللّه عليه وسلم واسطة ، وعن الشعبي : إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر . وقيل : المعنى أنزل في شأنها وفضلها فليست ظرفا ، وإنما هو كقول عمر رضي الله عنه : خشيت أن ينزل فيّ قرآن . وقول عائشة رضي الله عنها لأنا أحقر في شأني أن ينزل فيّ قرآن . وسميت ليلة القدر لأن الله تعالى يقدّر فيها ما يشاء من أمره إلى السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق وغيره ، ويسلمه إلى مدبرات الأمور من الملائكة ، وهم إسرافيل وميكائيل وعزرائيل وجبرائيل عليهم السلام ، كقوله تعالى : فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [ الدخان : 4 ] وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة